عندما سمعني أدونيس أقرأ شعرا بالعاميّة قال لي أتمنّى لو أكتب بالعاميّة…
أنا لا أكتب الحوليات وأطول قصيدة أنجزها في ليلة واحدة…
كل ناقد يعتبر نفسه إلهًا يحيي ويُميتُ من يشاء…
أدين بجزء كبيرمن تجربتي الشعريّة إلى مدونّة الشعر التونسي…
عرفتهُ سماعا، ثم نصا، ثم احتككت به لماما منذ سنتين تقريبا الان اقتربتُ منه أكثر، لامستُ بعضا من روحه، من فكهه… تبيّنت قدرته الفائقة والعجيبة على حياكة صور شعرية وهو ينثر الحكايات العابرة…
صديق قديمٌ ومتجدّد للعديد من شعراء تونس، ومطلّع بشكل واسع على المدونة الشعرية التونسيّة… كثيرا ما زار تونس ليقرأ شعره واخر زياراته كانت ضمن استضافة من جريدة الشعب ليكون ضيف شرف على الدورة الرابعة لملتقى الشعراء النقابيين التي التأمت بمدينة سوسة…
هو صاحب احدى عشرة مجموعة شعرية هي على التوالي «واضحا، سلسا، غامضا» (99) ـ «الابحار والخوف»(99) ـ «ما بصالحْ» (99) ـ «سونيتات شاميّة» )2001) ـ «الأرض ترفع ساقها» (2002) ـ «الاســـماء» (2003) ـ «ذيب الشلايا» (2004) ـ «هذيان الجسد» (2005) ـ «حفيد النبات» (2007)ـ «قمصان اللجاة» (2007) ـ «ومائيل في وحامه الكنعاني» (2007)…
هو الشاعر السوري الدمشقي الشامي شاهر الخضرة…
كيف تقدّم تجربتك الشعرية او تحديدا كيف تصنّفها من داخل التجربة ومن خارجها ان صحت العبارة بعد عشرة مجاميع شعرية؟
ـ كوني بدأت بالنشر متأخرا اي في عام 2000 وبعد تجربة شعرية مرّ عليها ربع قرن لم انشر فيها كنت اكتب الشعر واحتفظ به في الادراج ولم اكن انشر منه الا القليل وأعتبر انني عشت مراحل شعرية في الربع قرن التي كانت صامتا فيها عن النشر.
اولا تلك التي ولجْتُ بها عالم النشر، نشرت قصائدي التي لم يُسمح بنشرها في فترة الثمانينيات، نشرتها كلها. وجدت نفسي ان تلك الحالات الشعرية السابقة والتي لن تعود كما كانت وضعت فيها حرارة الكتابة وان كانت اقل مستوى عمّا اكتبه الآن ولكن باحتكاكي بتجارب الشعراء العرب وغيرهم ممن التقيت بهم وجدتُ نفسي أنني عندما التقي بشاعر كأنما التقي باحدى حالاتي السابقة فيكون لقائي باعثا لحالة عشتها سابقا أو لنقل قادحا لفترة ما عشتها، فلمّا أخذت بالكتابة مثلا حول مخيال الاساطير في بلادنا الكنعانية والسومرية وجدت أن القصائد التي كتبتها ولم أنشرها في الماضي كأنها بذور لا تصلح لأن تكون مشروعا شعريا ولكنها تصلح لأن يُعتنى بها لتنمو بنفس الارض التي بُذرت فيها ولكن بمناخ يلائمها بعد اثراء التجربة، فوجدتني أكتب القصيدة مستخدما هذه الاساطير دون ارباك لتلك الافكار… يعني صرت قادرا أكثر على «شعرنة» تلك الاساطير فمنها ما أتقمصه وصار لدي جرأة كبيرة على الأسطورة والتراث وان كان دينيا فأقول ان مرحلتي السابقة هي مرحلة ارهاصات البذور عندما حان موعد قطافها جاءت بشكل طبيعي وكأني ولدت للتو، وكأني شاعر لا يعترف بالزمن فكل قصيدة هي عمرٌ بحاله وهذا لا ينفي ان لكل قصيدة عمرها الطبيعي، عمر كتابتها وعمر قراءتها وكذلك عمر نشرها… وأستغرب أحيانا من فكرة الاجيال في الشعر، السبعينيات الثمانينيات او التسعينيات في الحقيقة وبرأيي الشخصي لو قرأنا مثلا قصائد نزار قباني التي كتبها في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات فهل يمكن لنا ان نقول انه شاعر من جيل الاربعينيات مثلا؟!! ام انه تجاوز بقصائده كل الاجيال وكأنه كتب لعجوز في ذاكرتها ولصبية نهدتْ للتوّ وبهذا فالشعر الحقيقي منفلت من الزمن ومن التجييل…
أصل الى القول، وربما لأناقض نفسي فيما قلته، أن القصائد التي كتبتها بعد احتكاكي بالتجارب الشعرية ولا أقصد قراءة وانما اقصد احتكاكا مباشرا بالشعراء هي التي جعلت قصائدي أكثر غنى من القصائد التي كتبتها وانا منعزلٌ بين الكتب وأكتب فيها ما يكتنفني مرّة ممّا أقرأ ومرّة ممّا أعيشه معتزلا…
كلامك الأخير يفترضٌ أن تحتك برامبو مثلا أو إليوث او المتنبيّ او المعريّ؟
ـ انا اقول في هذا تأثري فيما كنت اقرؤه كان واضحا وحقيقيّا أيضا ولكن كنت اقرأ وأتأثر وأكتب القصيدة من خلال القراءة والتأثر انما عندما سنحت الفرص لي بأن ألتقي بشعراء عرب وغير عرب وهؤلاء أيضا ممّن قرؤوا رامبو وإليوث والمتنبي والمعرّي وغيرهم من كبار الشعراء فأضيف لي تجربة اخرى متأثرة فأستفدتُ من حالتين أو أكثر من حالة، مرة من تأثري ومرة من تأثره فعندما أستمع لشاعر اعرف كثيرا من مصادر قصيدته كما أعرف مصادر قصيدتي مما جعلني اضع قصيدتي في عدّة معايير: كيف تأثرت أنا وكتبت وكيف تأثر هو وكتب فأجد نفسي اضعف احيانا فيما تمخضت به تجربتي إن من حيث الاسلوب او الشعرية قياسا بهذا الشاعر الاخر الذي اجده حاز السبق او نال حظا اكبر من حظي وتمخض نتيجة تأثره فأنتج قصيدة اجمل من قصيدتي وهذا ما يحفزني لاعيد النظر في بعض مما كتبت لأعمّقها أكثر وبهذا كنت أقول دائما كل من ألتقي به شاعرا او قاصا او روائيا او مفكرا اذا لم يضف لي شيئا جديدا فأنا لست بحاجة اليه لكي اضيع وقتي، لان هناك من الشعراء من تيسر لهم من الظروف ما لم يتيسر لي بأن التقوا بشعراء من العالم ومعرفة لغات كثيرة وأن يقرؤوا اضعاف ممّا قرأت ويتمتعوا بذاكرة حيّة وحس أرهف لالتقاط في الكثير من الاحيان ما لا أنتبه له، وعلى سبيل الذكر انا مثلا قرأت زوربا كما قرأها الكثير من الكتاب والقرّاء واجتمعت بأصدقاء ممن قرأها واخذنا نستحضرها فوجدت ان كل ما يذكرونه موجود في خزائن ذاكرتي دون ان انتبه أو افكر بحفظ تلك الجمل القوية فشعرت كأنني قرأت ونسيت والان جاء من يذكرني بما نسيت وهذ الامر ينسحب على العديد من الكتب…
أذكر مرة كنت في أمسية شعرية لشاعر كبير تربطني بشعره سنوات طويلة من القراءة فقد تأثرت بقراءته للقصيدة وطريقة القائه فظننت انها قصيدة من قصائده الجديدة التي لم اقرأها من قبل وعندما سألته قال عاتبا كيف تسألني هذا السؤال وأنت تقول انك قرأت ديواني ثلاث مرات المنشورة به القصيدة، أي أعني ان القراءة وحدها كثيرا ما اعتبرتها كالطعام آكل لأسٌد جوعي ولا اعرف بماذا احتفظ جسمي وما طرح من الآكل…
في صدد تجربتي الشعرية، ربما لانها مختلفة باختلاف حياة صاحبها عن باقي الشعراء، انا مثلا لا اعيش في اجواء شعرية مدى عمري، عشت مع العمّال سنوات من عمري،، ولا اقصد العمال المرتبطين بتنظيمات او نقابات فيها شيء من الايديولوجيا والثقافة العمالية بل عمال فحسب عشتُ مع السائقين… مع التجار حيث عملت في التجارة أكثر من عشرين سنة و كنت تاجرا ناجحا ووسط التجارة لا مجال سوى التفكير في المال والربح، كذلك مع الطبقة البسيطة من الفلاحين عشت ايضا لا شيء يُذكر سوى هموم الحياة الشخصية وإن اهتموا فبنوع من الحماس لبعض القضايا الوطنية وتنتهي، بينما كنت انقل حياتي مع كل أصناف الناس الى الورق لأجعل منها مادة ادبية. دون ان افكر في يوم من الايام ان اقرأ لهؤلاء قصيدة من قصائدي بل كنت اتحين الفرص ـ وما اقلها ـ لأقرأ ما كتبت على بعض الاصدقاء القلة حين التقيهم وربما يمر العام والعامان ولا ألتقي أحدهم فأكتفي بارسال نصوص لهم كرسائل شخصيّة وتنتهي المسألة بجواب على رسالة لا أكثر ولا أقل.
لكن بعد أن هيأت لي ظروفي الماديّة ان أتفرّغ للشعر قراءة وكتابة منذ عام 1999 تقريبا وبدأت بالسفر والسعي الى ألتقي بشعراء قرأت لهم منهم من كان اسمه يشغل الدنيا كأدونيس مثلا ومنهم من اعتبرهم مثالا لي في الشعر، بعد ان تم لي ذلك كانت الخسائر اكبر من الربح لانني شخص حساس جدا وقد يزعجني اي موقف فيه غرور من كاتب او شاعر وما أكثر تلك الامراض في كتابنا وشعرائنا فالكثير من هؤلاء يحبّون ان تكون دائرا في فلكهم أو مريدا لشعرهم وعليك ان تسجد لنجوميتهم أولا وتقر لهم باوليتهم وتميزهم حتى يقبلوك كمريد وهذا ـ كنت بسبب حياتي البعيدة عن هؤلاء ـ ما لا أستطيع أن أقدمه لاي اسم مهما علا شأنه وأذكر أنّني ركبت الطائرة على حسابي الخاص وذهبت الى بلد عربي كان يحتفي تكريما لشاعر كبير، وجلست اسبوعا كاملا أتابع نشاطات الشاعر وأمسياته ولكني ربأتُ بنفسي ان اقدم نفسي له وان اعرّفه إلى نفسي فرضيت بما كنت أرضى به من قبل أي بشعره فقط وأعتقد أنني لم أحبه شخصيّا ولكن هذا لم ينقص عندي من قيمة شعره وصرت بعده أقول أن الكثير من الكتاب كتبهم افضل منهم.
هذا في الجانب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ